أحمد بن علي القلقشندي
96
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
التدبير وحربا ؛ وكنت في السلم لسانه الآخذ بمجامع القلوب ، وفي الحرب سنانه النافذ في مضايق الخطوب ، وساقته إذا طلب ، وطليعته إذا طلب ، وقلب جيشه إذا ثبت وجناحه إذا وثب ؛ ولا عذر لشبل نشأ في حجر أسد ، ولا لهلال استملى النّور من شمس واستمدّ . هذا ولو لم يكن لك هذا الإسناد في هذا الحديث ، وهذا المسند الجامع من قديم الفخر وحديث ، لأغنتك غريزة عزيزة وسجيّة سجيّة وشيمة وسيمة ، وخلائق ، فيها ما تحبّ الخلائق ، ونحائز ( 1 ) ، مثلها حائز ، ومحاسن ، ماؤها غير آسن ، ومآثر ، جدّ غير عاثر ، ومفاخر ، غفل عنها الأوّل ، ليستأثر بها الآخر ، وبراعة لسان ، ينسجم قطارها ، وشجاعة جنان ، تضطرم نارها ، وخلال جلال عليك شواهد أنوارها تتوضّح ، ومساعي مساعد لديك كمائم نورها تتفتّح ؛ فكيف وقد جمعت لك في المجد بين نفس وأب وعمّ ، ووجب أن سألك من اصطفاء أمير المؤمنين ما ذا حصل ثم على الخلق عمّ ؛ فيومك واسطة في المجد بين غدك وأمسك ، وكلّ ناد من أندية الفخار لك أن تقول فيه وعلى غيرك أن يمسك ؛ فبشراك أنّ أنعم أمير المؤمنين موصولة منكم بوالد وولد ، وأن شمس ملكه بكم كالشمس أقوى ما كانت في بيت الأسد . ولما رأى اللَّه تقلَّب وجه أمير المؤمنين في سمائه ولَّاه من اختيارك قبلة ، وقامت حجّته عند اللَّه باستكفائك وزيرا له ووزرا للملَّة ؛ فناجته مراشد الإلهام ، وأضاءت له مقاصد لا تعقلها كلّ الأفهام ؛ وعزم له على أن قلَّدك تدبير مملكته الذي أعرقت في إرثه وأغرقت في كسبه ، ومهّد لك أبعد غاية في الفخر بما يسّر لك من قربه ؛ ولقد سبق أمير المؤمنين إلى اختيارك قبل قول لسانه بضمير قلبه ، وذكر فيك قول ربه : * ( والْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُه بِإِذْنِ رَبِّه ) * ( 2 ) . وقلَّدك لأنك سيف من
--> ( 1 ) النحائز : جمع نحيزة وهي الطبيعة . يقال : هو كريم النحيزة . ( 2 ) الأعراف / 58 .